ابن المقفع

6

آثار ابن المقفع

ويبدو أيضا انهم لم يدوّنوا شيئا مذكورا مما قالوه وسبعوه وضربوه مثلا وخطبوه ، ولكن الرواة نقلوا لنا بعض هذه الآثار ، التي استقرت كتبا في آثار العرب في العهد العباسي . . وهي وان لم تكن صادقة كل الصدق ، فإنها ليست بعيدة عنه ولا غريبة منه . . والذي لا شك فيه اليوم ان النثر الفني لم يظهر إلا في أواخر العصر الأموي ، وعندما عمد العلماء إلى تدريس فنون اللغة وعلوم القرآن والحديث في المساجد ، التي كانت معابد وجامعات في الوقت نفسه ، وعندما بدأ المؤرخون يكتبون اخبار من سلف من المتقدمين ، وعندما اخذ دعاة الفرق والمذاهب يدافعون عن مذاهبهم وفرقهم ، وعندما اخذ كتاب الدواوين عند الخلفاء والأمراء يكتبون الرسائل إلى العمال والولاة بأسلوب عربي فصيح بليغ . . وظل الحال كما وصفنا . . والنثر الفني يخطو خطواته الأولى . . ولم يكن قد استقر على أسلوب معروف ، وطريقة علمية مقررة . . حتى بدأت الآداب اليونانية تغزو العالم العربي الاسلامي ، وحتى بدأت ترجمة على منوال ضيّق أولا ، ثم تبسطت وتطورت في العهد العباسي . . واخذ في الوقت نفسه غير العرب أو من كانوا من أصل عربي وأعجمي يسمون إلى المراكز الكتابية في الدولة العباسية ، ويتقلدون القيادات ، ويتولون الامارات . . بعد ان عظم خطر الأعاجم من الفرس في الدولة التي أقاموها وشيدوها بسيوفهم . . في هذا التمازج . . بين العرب والأعاجم حدث تطور في اللغة كما حدث تطور في الحكم والسلطان . . فلم تعد الدولة عربية بكل معنى الكلمة ، كما كان الحال أيام الأمويين ، كما لم تصبح أعجمية كل العجمة في العهد العباسي ، وان احتفظت من هذا بنصيب ، ومن ذاك بنصيب . . أصبحت بين بين ، عربية الخلافة . . أعجمية السلطان والحكم ونظم الإدارة . . وقسم من الجيش أيضا . . ومن المفروض في مثل هذا التطور ان يتطور الأسلوب العربي ، والنثر الفني ، وان يزداد هذا التطور وضوحا وظهورا ، كلما زاد عدد الكتب الإغريقية